موسكو .. النهر والمترو والصداقة ارشيف الذاكرة ..   Leave a comment

ارشيف الذاكرة .. موسكو .. النهر والمترو والصداقة

يمنات

أحمد سيف حاشد

– موسكو التي كانت عاصمة للاتحاد السوفيتي، صارت اليوم عاصمة للاتحاد الروسي .. مدينة عريقة يقارب عمرها الألف العام .. يا له من مجد مؤثل بجلالة المهاب الضارب في القرون، و العابر للألفية .. لا نملك في حضورها إلا الانحناء لعظمتها و جمالها و جلالة قدرها .. موسكو عظيمة جغرافيا و تاريخ و حضارة .. أكبر مدينة في اوروبا كلها .. كيف لا ننحني لعاصمة و مدينة تصنع التاريخ و الحضارة .. موسكو الولادة لعظماء كبار..!

– أول مرة أشاهد مدينة يجتمع فيها إرث عمراني يمتد ألف عام، و يلتقي بما هو جديد و معاصر و حديث؛ ليجمعان حلة زاهية من المجد و الأصالة و المعاصرة و الخلود .. ثم يجتمع هذا و ذاك مع نهر، يضفي عليهما جمالا مضاعفا، ليغدو الجمال في ذروته، باذخا يأسر الروح و الوجدان و الذاكرة .. جمال و استمتاع في مدى لا ينتهي..

– سفن و بواخر و عبّارات .. وسائل نقل متنوعة و سياحة نهرية نشطة، و من النهر تأسرك ضفتيه منذ الوهلة الأولى .. تمنيت حينها أن أعبر طولا ذلك النهر؛ لأرى المدينة ذات اليمين و ذات الشمال؛ و لأستمتع بجمال لا يُنسى، و قد تملكتك الدهشة بعمق بلا قرار، و اقتحمت زحام الجمال و غماره .. و لكن كان الأسف أكبر .. برنامج الرحلة المزدحم حرمنا من متعة كهذه، و شعرنا بالحزن لهذا السهو أو الإغفال من قبل و اضعي برنامج الزيارة..

– كل يوم تمضيه في موسكو تكتشف ما هو جليل و عظيم .. كثافة لا تستطيع عبورها في عجالة أو أيام قليلة .. لقد كان لنهر “موسكوفا” الفضل الأول في تأسيس “موسكو” المدينة على ضفتيه، حتى أنها سميت باسمه .. إنه نهر يجري بطول يصل إلى500 كيلومتر تقريبا..

– كل يوم يمضي ترى في موسكو ما يذهلك .. ما تحت المدينة معجزة لا تقل أهمية و دهشة عن تلك التي فوقها .. عالم خرافي أشاهده لأول مرة .. أذهلتني شبكة الأنفاق و المواصلات السريعة .. شبكة أنفاق موسكو ربما كان طولها في ذلك العهد بحدود الـ 200 كيلو متر، و اليوم صارت تفوق 300 كيلو متر..

– شبكة أنفاق المواصلات في موسكو هي تحت الأرض بعمق يزيد عن الـ 70 متر، و ربما يصل بعضها اليوم إلى عمق 300 متر .. عدد من يرتادها آنذاك يصل إلى الأربعة مليون راكب، أما اليوم فيقارب السبعة مليون راكب يوميا .. و هنا تداهمك الأسئلة: من صنع كل هذا..؟! و كيف حدث..؟! و كيف تم التحايل على الماء تحت طبقات الأرض العليا، و الممتد بذلك العمق..؟!! و لماذا ماء النهر العميق لا يتسرب إلى شبكة الأنفاق..؟! بل كيف تم صناعة كل هذا العجب الذي تشعر و أنت في غمرته بذهول يستقر في عمق وعيك، و يمتد بتذكاره ما يستغرق عمرك كله..؟! كل ما هو تحت المدينة هنا لا يعني لي إلا معجزة من معجزات الزمن، صنعها شعب عظيم..

– كل الرحلة كانت نفقاتها مغطاة .. و لدينا أيضا مصروف جيب 300 دولار لكل منّا .. هذا المبلغ في ذلك العهد بدا لنا كبيرا جدا، لاسيما عندما تم تحويله من الدولار إلى العملة الروسية “الروبل” في السوق السوداء .. كما أن الأسعار في موسكو كانت رخيصة أو رخيصة جدا، و كثير من السلع و الضروريات الرئيسية مدعومة من قبل الدولة .. أما المواصلات في “المترو” فرخيصة جدا .. و ما علمناه أن موسكو كانت في تلك الحقبة من العواصم الأكثر رخصا في العالم..

– اشتريت و آخرين بعض الهدايا لبعض العاملات في الفندق .. موظفات الفندق مسكونات بالبراءة و الطيبة، و مغمورات بالبساطة و يحتفين بالغريب، و يبدين نحوه كثير مع الود و الاهتمام، بل و يعمدن إلى تبديد وحشته .. تستطيع أن ترى الفرح يشع من وجوهن، و أنت تهديهن ما تواضع، و لكنه في عيونهن كان كثير .. إنها عيون أعادتني إلى عهد المرحلة الثانوية و أنا أدرس قصيدة الناقد و الروائي و الشاعر الفرنسي “لويس أرجوان” التي يتغزل فيها بعيون زوجته و حبيبه و ملهمته الروسية “إلزا” و التي اطلق اسمها على أحد دواوينه الشعرية، و فيه قصيدة بعنوان الديوان “عيون إلزا” جاء فيها:

عيناك من شدة عمقهما رأيت فيهما وأنا أنحني لأشرب

كل الشموس تنعكس

كل اليائسين يلقون فيها بأنفسهم حتى الموت

عيناك من شدة عمقهما.. أني أضعت فيهما ذاكرتي

ثم يقول:

“قليلة جداً رقعة السماوات لملايين الأنجم

كانت تلزمهما عيناك وسحرهما التوأمان”

– غير أن المفاجأة بالنسبة لي أن أحدى موظفات الفندق و رفيقتها لا يعرفن شيئا عن اليمن، بل و لا يعرفن شيئا حتى على موقع اليمن في الخارطة لا جنوبه و لا شماله .. شيئا بالنسبة لي كان محل ذهول .. لماذا نحن نتابع كثير من تفاصيل العالم بما فيها تفاصيلهم، فيما هم أقل اكتراثا أو أقل اهتماما بنا..

– لقد كنت أتابع كثير من الأخبار و الأحداث في كل العالم، و عمري لم يتجاوز بعد 18 عاما .. كما كنت أتابع تفاصيل أخبار التضامن الأممي، و المنظومة الاشتراكية، و العالم الرأسمالي، و قبل ذلك حركة التحرر الوطني، في أسيا و افريقيا و أمريكا اللاتينية .. و أكثر من ذلك درسنا في الكلية العسكرية تاريخ الحركة العمالية العالمية .. كما قرأت شيئا عن الأدباء الروس الكبار دستويفسكي و غوركي و تولستوي و تشيخوف .. و منظرين روس مثل لينين و بوخارين و تروتسكي؛ و بقي السؤال: لماذا لا يعرفن شيئا هنّ عن بلادنا..؟! هل الأمر مقتصر على المرأتين أم هناك الكثير..!!

على إثر ذلك اللقاء، خلت في أول الأمر أن الجميع يجهلون كل شيء عن اليمن، و لكن تبدد ذلك أثناء بعض اللقاءات التي كانت تتم بشكل رسمي مع بعض المسؤولين الروس، أو كشفت عنه الكلمات التي كانت تقال و نحن محلقين في فضاء من مشاعر الود و الصداقة بعد وجبات العشاء .. كانوا يتحدثون عن اليمن الديمقراطية بود كبير و تقدير بالغ، و يتحدثون أكثر عن صداقة الاتحاد السوفيتي باليمن الديمقراطية، و عن التضامن الأممي .. و كنّا نحن أيضا نتحدث عن إعجابنا بالاتحاد السوفيتي و بالصداقة و بالمساعدة و المساندة التي يقدمها لليمن الديمقراطية، و نتحدث عن صداقة الشعوب و النظام الاشتراكي و التضامن الأممي، و دمامة النظام الرأسمالي و الرجعية المتخلفة المساندة له..

***

يتبع..

رابط المقال هنا

رابط المنشور هنا

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

<span>%d</span> مدونون معجبون بهذه: