(17) فولجا جراد.. المدينة البطلة   Leave a comment

فولجا جراد.. المدينة البطلة
• كانت وجهتنا الثانية بحسب برنامج الزيارة إلى مدينة “فولجا جراد” التي تبعد عن العاصمة موسكو بأكثر من ألف كيلو متر. وقد راج اسم هذه المدينة على نطاق واسع في الحرب العالمية الثانية بـ “ستالينجراد” حيث شهدت أهم المعارك الكبرى التي سميت باسمها “معركة ستالينجراد” واستمرت بحسب المصادر حوالي ستة أشهر، وبلغت الخسائر البشرية في حدود مليوني، ما جعل البعض يصنّفها بإحدى أكبر المعارك دموية في تاريخ الحروب.. ومُنحت المدينة لقب “المدينة البطلة.

• بوسعك هنا أيضا ومن الزاوية المقابلة أن تتذكر بعض من ويلات تلك الحروب، وما تخلّفه من نتائج وآثار كارثية.. بوسعك أن تتذكر قيام الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية بإسقاط قنبلتين ذريتين على مدينتي “هيروشيما” و”ناجازاكي” اليابانيتين والتي راح ضحيتها في لحظة بحسب المصادر أكثر من مائة وعشرين ألف قتيل، وأكثر من ضعفي هذا الرقم قتلوا فيما بعد نتيجة الاشعاع النووي، هذا غير الجرحى، وكان معظم القتلى والجرحى من المدنيين، وطال التدمير أكثر من 90% من المباني والمنشآت في المدينتين..

• الحروب مروعة ومرعبة وبشعة على نحو يفوق أحيانا التصور والخيال، ويمكن هنا نقل شهادة سيدة يابانية عاشت حدث إحدى الانفجارين النوويين؛ حيث تقول: «كان عمري 12 عاماً.. رأيت صاعقة من البرق أو ما يشبه عشرات الآلاف الصواعق تومض في لحظة واحدة، ثم دوّى انفجار هائل، وفجأة ساد المكان ظلام تام، عندما أفقت وجدت شعري ذابلاً، وملابسي ممزّقة، وكان جلدي يتساقط عن جسدي، ولحمي ظاهر وعظامي مكشوفة. الجميع كان يعاني من حروق شديدة، وكانوا يبكون ويصرخون ويهيمون على وجوههم وكأنهم طابور من الأشباح. لقد غطّى مدينتنا ظلام دامس بعد أن كانت منذ قليل تعجّ بالحياة، فالحقول احترقت ولم يعد ثمة ما يذكرنا بالحياة»

• وبوسعنا هنا أيضا أن نتوقف قليلا لنثير نقدا ذو بعد أخلاقي وحقوقي بصدد الحروب، ومنها هذه الحرب التي نعيشها اليوم نحن في اليمن.. إنها إحدى الحروب الأكثر قذارة في العالم، ونحن ندخل عامها السادس؛ وذلك من خلال تلك الأسئلة التي أثارتها رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي: لماذا نجرّم ذلك الطالب البائس الذي يقتل العجوز المرابية في رواية “الجريمة والعقاب”، ولا نجرّم ذلك القائد الذي يرسل جنوده للموت ليعلوا في المجد؟!!

• لماذا لنابليون حق القتل، ولأمريكا حق إلقاء القنابل النووية، وليس لراسكولنيكوف قتل المرابية التي يمكن بمالها تحرير نفسه، وربما تحرير كثيرين غيره من الفقر؟! لماذا ننحاز ونحن نقرأ الرواية إلى صف الذي طالب “راسكولينكوف” قاتل المرابية أن يسلّم نفسه بدوافع عدلية وأخلاقية، عندما تجري دعوته بالقول: “استيقظ .. انهض الأن في هذه الدقيقة، و قف عن تقاطع الطرق، وأنحني .. قبل الأرض التي دنستها، ومن ثم أنحني للعالم كله على اطرافك الأربعة، وقل بصوت عال للجميع .. نعم.. نعم لقد قَتلت.ُ ” ولا نطلب من الذين قتلوا الآلاف ومئات الآلاف، والملايين من البشر أن يفعل ما فعله “راسكولينكوف”؟!! لماذا ننحاز إلى مطالبة “راسكولينكوف” بالتوبة المكلفة لبقية حياته بالأعمال الشاقة، ولا نطلب عقاب من ساقوا آلاف وملايين البشر إلى جحيم الحروب والموت والمجاعات؟!!

• وماذا أيضا عمّن دمروا شعوبهم أو أفقروها أو تعسفوها، بدوافع أيديولوجية أي كانت، أو بدافع ادعائهم أو اعتقادهم أنهم يمتلكون الحقيقة الكاملة، وأنهم أصحاب الحق المحض، وأن أفعالهم مشروعة ومبررة، لا شك بها، ولا مدخل فيها لريب؟! وماذا عن أولئك الذين صنعوا الحروب، أو رعوها بدافع الاطماع، أو الثأر والانتقام، أو صناعة المجد أو استعادة المجد الضائع؟!!

• إن كل هذه التساؤلات لا نقصد من خلالها تبرير الجريمة أو بعضها، ولكن نقصد التساؤل: لماذا هذا الفقدان الكبير للعدالة؟! لماذا العدالة لا تطال كبار المجرمين مثلما تطال صغارهم؟!! إن ما نحتاجه هو عدالة للجميع.. نحتاج إلى عدالة تطال كبار المجرمين قبل صغارهم لردع مرتكبي الجرائم والحد منها ومن البشاعات التي يتم ارتكابها، وعدم الإخلال بميزان ومعايير العدالة التي نتغيّاها؟!!

• وفي هذا المقام بإمكاننا أن تتحدث أيضا عن جرائم إبادة الهنود الحمر السكان الأصليين في أمريكا، وإخضاع ما بقي منهم.. بإمكاننا أن نتحدث عن جرائم الحروب التي ارتكبتها الولايات المتحدة في فيتنام، والعراق وغيرها، وجرائم الحرب التي أرتكبها الفرنسيون في الجزائر، وجرائم الحرب التي أرتكبها الأتراك ضد الأرمن، وكل نظائر تلك الحروب التي رفض أو يرفض مُرتكبوها تعويض الشعوب، أو حتى الاعتذار لها عن تلك الحروب المروّعة التي ارتكبتها تلك الدول بحق تلك الشعوب.

• وعودة للتعريف بالمدينة التي زرناها، والتي تضمنها برنامج الزيارة، لأهميتها من حيث تاريخها العسكري في الحرب العالمية الثانية، كونها قد جرى منها تحوّل مسار الحرب، وتغيير معادلتها لصالح الاتحاد السوفيتي.. المدينة المسماة “فولجا جراد”، والتي كانت تسمى سابقا ومنذ العام 1925 بـ “ستالينجراد”، وبعد وفاة “ستالين”، وأفول “الستالينية” في الاتحاد السوفيتي، وتفكيك ما أُسماها خلفه نيكيتا خروتشوف بعبادة الفرد أو عبادة الشخصية، تم تسميتها “فولجا جراد” حيث أقترن اسمها باسم نهر “الفولجا” وتمتد المدينة بمحاذاة الضفة اليمنى لنهر الفولجا بطول يبلغ 30 كم..

• توجد في المدينة ما عُرف بـ “القبة السماوية” لعرض حركة الكواكب والنجوم، ونصب تذكاري، وتماثيل، ومتاحف، ومسارح، وقاعات للحفلات، ولوحات فنية.. وتوجد فيها أيضا مصانع ومنشآت وعمران، ويوجد أيضا نهر الفولجا، أغزر وأكبر نهر في أوربا كلها.. “الفولجا” بحسب المصادر تعني نهر المشرق الذي أطلقه سكان حوض النهر منذ القدم، والبالغ طوله أكثر من 3500 كم ” أما “جراد” المقرونة باسم النهر فتعني مدينة..

• يا إلهي .. ماذا هذا الذي أراه من بعد.. من هذه المرأة التي يعتلي رأسها الفضاء، وهي تمتشق السيف في وجه السماء؟!! ما قصتها؟! اي فنان أبدع كل هذا؟! وكيف أتمه؟! وكم أستغرق من الوقت ليصير على هذا النحو الذي نراه؟!

• أول ما يبهرك عند نزولك أو وصولك إلى المدينة أو مشاهدتك المدينة هو ذلك النصب التذكاري الكبير الذي تشاهده من البعيد، تمثال لامرأة ممتشقة السيف يطلق عليها “الوطن الأم” يقع على هضبة مرتفعة؛ ليصير ارتفاع فوق ارتفاع، ليطل عُلاها على المدينة.. ويعتبر هذا التمثال أعلى منحوتة في العالم في تلك الفترة، وبارتفاع يصل إلى 85 مترا أقيم تخليدا لضحايا معركة “ستالينجراد” التي جرت بين الاتحاد السوفييتي وألمانيا عامي 1942 و1943. وأصبح تمثال المرأة التي تحمل السيف بيدها رمزا للمدينة.

• أخذنا مقاعدنا تحت ما يُعرف بالقبة السماوية.. تم اطفاء الأنوار .. شيء خرافي تجده ينقلك إلى عالم من الدهشة والذهول.. نسيت أنني قاعدا على الكرسي.. نسيت من أنا ومن أين أتيت!! خلت نفسي أسبح في الفضاء كنجم أو كوكب درّي أو رائد فضاء.. بديت والكون من حولي ومن كل اتجاه، تهت في الفضاء حتى فقدت كينونتي والاتجاهات الأصلية المعتاد عليها من شرق وغرب وشمال وجنوب.. كل شيء هنا يدور.. يدور من حولي حتى أدوخ.. في حدود الساعة تقضيها وأنت تحلق بين النجوم والكواكب والمجرات والأكوان.. ساعة من المعرفة الكونية التي لا تنساها ما حييت..

• زرنا متحف بانوراما الذي يصور “معركة ستالينجراد” ويعرض ملخصا لمعركة “ستالين جراد” والحرب العالمية وشدة الاستبسال وزهو الانتصار.. رغم كثرة الملاحم والبطولات التي تشاهدها في الصور والتماثيل وبقايا قطع وآثار الحرب، وكل ما ينقلك إلى أجواءها، لفت نظري وجود صور لقادة دول التحالف تشرشيل، وروزفلت، وستالين بطريقة مبهرة.. رؤساء الدول المنتصرة في الحرب.. الرؤساء الذي اجتمعوا عقب الحرب، في مكان من العالم، ليتقاسموه.. غدا العالم على الطاولة غنيمة حرب ونفوذ يتقاسمونه فيما بينهم؛ وليبدؤوا صراعا آخر بينهم من نوع آخر.. حرب باردة أستمرت لعقود.. شعوب كثيرة دفعت أثمانا مكلفة وباهظة، ولازال بعضها يدفع ثمنا للمنتصر إلى اليوم.. وحتى كثير من الأحزاب الشيوعية المضحوك عليها في بلدان أوربية مثل بريطانيا وفرنسا تفاجأت بنتائج الاقتسام، وصُعقت وهي تشعر أنه تم التخلي عنها، وقد تم تقاسم العالم بين المنتصرين..

• زرنا أيضا بقايا بناية تسمى ” بيت بافلوف ” التي شهدت صراعا عنيفا وثبتت فيها حضيرة من المدافعين الروس ودارت رحاها معارك ضروسة من اجل السيطرة عليها، وهي لا زالت تحتفظ بكثير من جدرانها المخرومة بازدحام كوجه أصابه الجدري بكثرة وزحام.. قالوا أن حضيرة هنا استبسلت ودافعت عن تلك البناية.. بعض من مشهد يعكس ضراوة الحرب، واستبسال المدافعين عن المدينة..

***

بعض من تفاصيل حياتي
يتبع..

راطب المقال هنا

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: