(16) موسكو .. النهر والمترو والصداقة   Leave a comment

موسكو .. النهر والمترو والصداقة
• موسكو التي كانت عاصمة للاتحاد السوفيتي، صارت اليوم عاصمة للاتحاد الروسي.. مدينة عريقة يقارب عمرها الألف العام.. يا له من مجد مؤثل بجلالة المهاب الضارب في القرون، والعابر للألفية.. لا نملك في حضورها إلا الانحناء لعظمتها وجمالها وجلالة قدرها.. موسكو عظيمة جغرافيا وتاريخ وحضارة.. أكبر مدينه في اوروبا كلها.. كيف لا ننحني لعاصمة ومدينة تصنع التاريخ والحضارة.. موسكو الولادة لعظماء كبار..!

• أول مرة أشاهد مدينة يجتمع فيها إرث عمراني يمتد ألف عام، ويلتقي بما هو جديد ومعاصر وحديث؛ ليجمعان حلة زاهية من المجد والأصالة والمعاصرة والخلود.. ثم يجتمع هذا وذاك مع نهر، يضفي عليهما جمالا مضاعفا، ليغدو الجمال في ذروته، باذخا يأسر الروح والوجدان والذاكرة.. جمال واستمتاع في مدى لا ينتهي..

• سفن وبواخر وعبّارات.. وسائل نقل متنوعه وسياحة نهرية نشطة، ومن النهر تأسرك ضفتيه منذ الوهلة الأولى.. تمنيت حينها أن أعبر طولا ذلك النهر؛ لأرى المدينة ذات اليمين وذات الشمال؛ ولأستمتع بجمال لا يُنسى، وقد تملكتك الدهشة بعمق بلا قرار، واقتحمت زحام الجمال وغماره.. ولكن كان الأسف أكبر.. برنامج الرحلة المزدحم حرمنا من متعة كهذه، وشعرنا بالحزن لهذا السهو أو الإغفال من قبل واضعوا برنامج الزيارة..

• كل يوم تمضيه في موسكو تكتشف ما هو جليل وعظيم.. كثافة لا تستطيع عبورها في عجالة أو أيام قليلة.. لقد كان لنهر “موسكوفا” الفضل الأول في تأسيس “موسكو” المدينة على ضفتيه، حتى أنها سميت باسمه.. إنه نهر يجري بطول يصل إلى500 كيلومتر تقريبا..

• كل يوم يمضي ترى في موسكو ما يذهلك.. ما تحت المدينة معجزة لا تقل أهمية ودهشة عن تللك التي فوقها.. عالم خرافي أشاهده لأول مرة.. أذهلتني شبكة الأنفاق والمواصلات السريعة .. شبكة أنفاق موسكو ربما كان طولها في ذلك العهد بحدود الـ 200 كيلو متر، واليوم صارت تفوق 300 كيلو متر..

• شبكة أنفاق المواصلات في موسكو هي تحت الأرض بعمق يزيد عن الـ 70 متر، وربما يصل بعضها اليوم إلى عمق 300 متر.. عدد من يرتادها آنذاك يصل إلى الأربعة مليون راكب، أما اليوم فيقارب السبعة مليون راكب يوميا.. وهنا تداهمك الأسئلة: من صنع كل هذا؟! وكيف حدث؟! وكيف تم التحايل على الماء تحت طبقات الأرض العليا، والممتد بذلك العمق؟!! ولماذا ماء النهر العميق لا يتسرب إلى شبكة الأنفاق؟! بل كيف تم صناعة كل هذا العجب الذي تشعر وأنت في غمرته بذهول يستقر في عمق وعيك، ويمتد بتذكاره ما يستغرق عمرك كله؟! كل ما هو تحت المدينة هنا لا يعني لي إلا معجزة من معجزات الزمن، صنعها شعب عظيم..

• كل الرحلة كانت نفقاتها مغطاه.. ولدينا أيضا مصروف جيب 300 دولار لكل منّا.. هذا المبلغ في ذلك العهد بدا لنا كبيرا جدا، لاسيما عندما تم تحويلة من الدولار إلى العملة الروسية “الروبل” في السوق السوداء.. كما أن الأسعار في موسكو كانت رخيصة أو رخيصة جدا، وكثير من السلع والضروريات الرئيسية مدعومة من قبل الدولة.. أما المواصلات في “المترو” فرخيصة جدا.. وما علمناه أن موسكو كانت في تلك الحقبة من العواصم الأكثر رخصا في العالم..

• اشتريت وآخرين بعض الهدايا لبعض العاملات في الفندق.. موظفات الفندق مسكونات بالبراءة والطيبة، ومغمورات بالبساطة ويحتفين بالغريب، ويبدين نحوه كثير مع الود والاهتمام، بل ويعمدان إلى تبديد وحشته.. تستطيع أن ترى الفرح يشع من وجوهن، وأنت تهديهن ما تواضع، ولكنه في عيونهن كان كثير.. إنها عيون أعادتني إلى عهد المرحلة الثانوية وأنا أدرس قصيدة الناقد والروائي والشاعر الفرنسي “لويس أرجوان” التي يتغزل فيها بعيون زوجته وحبيبه وملهمته الروسية “إلزا” والتي اطلق اسمها على أحد دواوينه الشعرية، وفيه قصيدة بعنوان الديوان “عيون إلزا” جاء فيها:

عيناك من شدة عمقهما رأيت فيهما وأنا أنحني لأشرب
كل الشموس تنعكس
كل اليائسين يلقون فيها بأنفسهم حتى الموت
عيناك من شدة عمقهما.. أني أضعت فيهما ذاكرتي
ثم يقول:
“قليلة جداً رقعة السماوات لملايين الأنجم
كانت تلزمهما عيناك وسحرهما التوأمان”

• غير أن المفاجأة بالنسبة لي أن أحدى موظفات الفندق ورفيقتها لا يعرفن شيئا عن اليمن، بل ولا يعرفن شيئا حتى على موقع اليمن في الخارطة لا جنوبه ولا شماله.. شيئا بالنسبة لي كان محل ذهول.. لماذا نحن نتابع كثير من تفاصيل العالم بما فيها تفاصيلهم، فيما هم أقل اكتراثا أو أقل اهتماما بنا..

• لقد كنت أتابع كثير من الأخبار والأحداث في كل العالم، وعمري لم يتجاوز بعد 18 عاما.. كما كنت أتابع تفاصيل أخبار التضامن الأممي، والمنظومة الاشتراكية، والعالم الرأسمالي، وقبل ذلك حركة التحرر الوطني، في أسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية.. وأكثر من ذلك درسنا في الكلية العسكرية تاريخ الحركة العمالية العالمية.. كما قرأت شيئا عن الأدباء الروس الكبار دستويفسكي وغوركي وتولستوي وتشيخوف.. ومنظرين روس مثل لينين وبوخارين وتروتسكي ؛ وبقي السؤال: لماذا لا يعرفن شيئا هنّ عن بلادنا؟! هل الأمر مقتصر على المرأتين أم هناك الكثير..!!

على إثر ذلك اللقاء، خلت في أول الأمر أن الجميع يجهلون كل شيء عن اليمن، ولكن تبدد ذلك أثناء بعض اللقاءات التي كانت تتم بشكل رسمي مع بعض المسؤولين الروس، أو كشفت عنه الكلمات التي كانت تقال ونحن محلقين في فضاء من مشاعر الود والصداقة بعد وجبات العشاء.. كانوا يتحدثون عن اليمن الديمقراطية بود كبير وتقدير بالغ، ويتحدثون أكثر عن صداقة الاتحاد السوفيتي باليمن الديمقراطية، وعن التضامن الأممي.. وكنّا نحن أيضا نتحدث عن إعجابنا بالاتحاد السوفيتي وبالصداقة وبالمساعدة والمساندة التي يقدمها لليمن الديمقراطية، ونتحدث عن صداقة الشعوب والنظام الاشتراكي والتضامن الأممي، ودمامة النظام الرأسمالي والرجعية المتخلفة المساندة له..

***
يتبع..
بعض من تفاصيل حياتي

رابط المنشور هنا

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: