(10) في الطائرة.. وكان للعروبة زعيم   Leave a comment

(10)

في الطائرة.. وكان للعروبة زعيم
• أول مرة أرى طائرة عن قرب، وأصعد إليها عبر سلّم لم أكن أعلم هل هو مستقل عنها أو هو بعض منها، قعدت على المقعد المخصص لي، ولحسن حظي كان مقعدي جوار النافذة.. الطائرة تتحرك ببطيء على أرض المطار، والتعليمات تصدر بربط الأحزمة.. المضيفة تمر للتأكد أن الركاب نفذوا التعليمات، فيما كنت قد تجاوزت تعثري في ربط الحزام.. تبدأ سرعة الطائرة على الأرض تزداد أكثر وأكثر، فيما كنت كطفل اتابع من النافذة بعض التفاصيل في محيطها.. ثم تقلع الطائرة من مطار عدن الدولي..

• وفيما الطائرة تصعد شعرت بالرهاب.. أحسست بفجوات كبيرة تتخلل صدري.. إنها فجوات أكبر من صدري، بل هي بسعة الفضاء الذي تخترقه الطائرة في صعودها.. قلبي يكاد ينخلع من مكانه.. حالة من التوتر تسودني..

• لا شيء يمسك بك الآن وأنت تصعد بالطائرة في الفضاء.. تشعر أن روحك صارت بقبضة القدر وحده.. تبادر إلى ذهني مصير السبعين كادر الذين سقطت بهم الطائرة في مطلع السبعينات في عدن، أو بالأحرى التي تم تفجيرها بفعل فاعل.. عمل إجرامي بكل المقاييس.. تخيلت مصيرهم المرعب، وهم يتطايرون في الهواء كشظايا قنبلة.. يا له من حظ سيء ومرعب..

• رغم رهابي الذي ينتشر في أوصالي ويستولي على كياني إلا أنني أحاول أجمع شجاعتي، فيما كان فضولي أقوى مني ومن رهابي.. صرت أحدث نفسي: يجب أن أقمع مخاوفي.. يجب أن أتغلب على رهابي.. أنا صرت اليوم ضابطا؛ فكيف لي أن أحث جنودي في المستقبل أن يكونوا شجعان أفذاذ؟!! كيف أدعوهم إلى عدم الخوف وكل هذا الهلع ينتابني؟؟! أليس جيفارا الذي أعجبت به هو القائل: الثائر أو القائد هو “آخر من ينام وأول من يستيقظ وآخر من يأكل، وأول من يموت” القائد يجب أن لا يتهيب الموت، فما البال والحال يتعلق بالرهاب..

• واحاول شحذ عزيمتي وتقوية ارادتي في مواجهة عقدة الرهاب التي تعبث داخلي، بالحديث مع نفسي: “أخي علي سيف حاشد كان مضلي يقفز من الطائرة، فكيف لي أن أكون دونه؟! أريد أن أكون شجاعا مثله..” ثم استحضرت ذاكرتي ما سمعت منه يوما، عن قصة ذلك الذي رفض القفز المظلي من الطائرة، إلا بركلة قوية من قدم الضابط المصري..” واستطرد في الحديث مع نفسي: “لا أريد أن أكون جبانا ولا أحتاج إلى الركل لأتعلم الشجاعة.. الجبان عار أكثر ممن تركله كل الأقدام.. يجب أن أكون شجاعا بما يكفي للتغلب على هذه العقدة .. يجب أن أسحق ما ينتابني من رهاب.. علي أن أطلق العنان لفضولي الذي يتحدّى، ويستحق التقدير.. يجب أن استمتع ما استطعت برؤية هذا العالم الخرافي، من هذا العلو الشاهق..

• ألصق صدغي وجانبا من وجهي في زجاج النافذة التي بجواري في الطائرة، وأنا أقول لنفسي: يجب أن أرى العالم السفلي من هذا العلو المرتفع.. أريد أن أعرف كيف يبدو ما في الأرض للعيان من السماء!! لابد أن أعرف كيف تبدو عدن من هذا الارتفاع!! أول مرة أرى مدينة عدن من هذا العلو !! شوارعها وأبنيتها وسفنها وبحرها وشواطئها وشكلها الجغرافي العام.. ثم تصغر عدن وتتلاشى خلفنا، والطائرة تلتهم المسافات، فيما أنا لا أشعر بتلك السرعة التي تقطعها الطائرة، إلا رويدا رويدا، عندما أجد ما كان في الأمام قد صار يتلاشى خلفنا..

• أول مرة أجد نفسي فوق السحاب.. أن تكون أعلى من السحاب، أو تكون السحاب دونك وأنت ترمقها من الأعلى تشعر بعجب ودهشة.. يشد انتباهك بما لا تألفه أو تراه من قبل.. يا له من سحر وأنت ترى السحب تحتك مفروشة كالقطن المبثوث بطبقات كثيفة، ومساحات واسعة وخرافية.. رؤية السحب من الأعلى يختلف عن مشاهدتها من الاسفل.. تشعر وكأنك تكتشف عالمك لأول مرة أو من جديد..

• انني الآن اكتشف الفرق.. أشطح في الخيال والتمني وتجاوز المعقول أحيانا.. تمنيت أن تكون السحب بالفعل مصنوعة من القطن تحفظنا إذا ما هوت الطائرة لأي سبب.. كان شكلها مغر وجاذب، ثم ما ألبث أن أقول: “يا له من منظر مخادع..” تبدو السحب كطبقات القطن الوثير، ولكن الحقيقة صاعقة.. ثم تتبادر إلى ذهني ما سمعته من خرافة في الصغر عن ذلك الجد الذي يحكون عنه، عندما أراد أن يركب الخنان أو يمتطيها، ثم وقع من علوه، وعلق بشجرة العريَب، ثم أختصر للناس محنته وتجربته في موجز القول: “لولا شجرة العريب.. أمّا ربّي فقد كان سيّب”.

• رفض فضولي أن ينام أو يستريح، ولم يدركه كلل أو ملل، بل كان يزيد شغفا وأسئلة.. أتفرس من نافذة الطائرة، الجبال والوهاد والبحر والنيل وكل شيء تمر عليه الطائرة.. حب الاستطلاع والمعرفة يزيد في تحفيز فضولي، وكثير من الاسئلة التي يطرحها عقلي الشغوف للمعرفة، ولابأس من أن أشعر ببعض الخيبة عندما لا أجد من يسعفني بالإجابة عليها، وليس هناك مرشد في الأمر بإمكانه أن يجيبني الآن.. ومع ذلك وفيه العزاء، أن تلك الأسئلة تظل حية وترفض أن تموت، وتظل تطرق باب عقلي ووعيي تبحث عن جواب على الدوام، ولا يطفئ اشتعالها غير غيث المعرفة.

• وصلت بنا الطائرة سماء القاهرة.. رؤية القاهرة من الجو يمنحك شجن معرفي كبير.. تتمنى أن تهبط إليها، وتطويها بقدميك خطوة خطوة.. كنت أحدث نفسي وأنا في سماءها: هنا الاهرامات والمباني الشاهقة والعظمة كلها.. هنا كان فرعون وكانت حضارة.. مصر الأبية، ومصر أم الدنيا، وشعب يقول “إلا مصر”.. أين هي “بور سعيد” التي قرأت عن بطولة أبناءها وأنا في الصف الثالث أو الرابع ابتدائي؟! هنا مصر التي هزمت العدوان الثلاثي وأممت القناة، وانتصرت في حرب اكتوبر 1973 هنا كان للعروبة زعيم اسمه جمال عبد الناصر، وكانت هناك خيانات وخونة وأنذال صغار..

• تتداعى أفكاري من كبيرها إلى أصغر التفاصيل وأنا أحدث نفسي: هنا كل الكبار أحياء وأموات.. هنا نشأ الوطن المنفي سعد زغلول، والأمل الذي لا يتلاشى مصطفى كامل الذي علّمنا أن “لا يأس مع الحياة”.. هناعميد الأدب العربي القامة طه حسين، والروائي الفذ نجيب محفوظ، وأمير الشعراء أحمد شوقي، وفقيه القانون الموسوعة السنهوري.. هنا كوكب الشرق أم كلثوم.. هنا ثقافة وحضارة وعمالقة..

هنا اليسار المصري أمل دنقل وأحمد فؤاد نجم والأبنودي والفنان الشيخ إمام.. هنا خفة الدم، والروح المصرية الجميلة.. مدرسة المشاغبين وأبطالها الكبار.. المسرحية التي لا تُمل مشاهدتها للمرة الألف.. هنا العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، والفنان فريد الأطرش.. وشادية وفريد شوقي واسماعيل ياسين ومدبولي والمليجي وفؤاد المهندس وأحمد زكي ونور الشريف..

• وهنا أقام أخي مدة في حدود نصف العام يدرس في سلاح الإشارة بعد تخرجه من الكلية الحربية في صنعاء في الستينات عندما كانت مصر تدعم النظام الجمهوري في اليمن.. مصر العروبة وزعيمها الذي أراد أن يلملم أشتاتنا المبعثرة وأوطاننا المفتتة ويستعيد احلامنا الكبار؛ فخذله الاوغاد، وتكالب عليه خونة الأوطان ومتعفني التاريخ والساسة المرتهنين..

• هنا تقيم الفنانة وردة الجزائرية، والممثلات يسرى وشمس البارودي وفاتن حمامة وسعاد حسني اللآتي لطالما هُمنا بعشقهن واطلقنا العنان لخيالنا الشارد منّا، عندما كنّا نعيش شبقنا الأول في سنوات الكبت بالمرحلة الثانوية.. هنا تهبط الآن الطائرة التي تقلّنا..

• تهبط الطائرة في مطار القاهرة الدولي، وبقينا بحدود الساعة ننتظر فيها، لأنه غير مسموح لنا بالخروج إلى صالة المطار أو حتى إلى “الترنزيت” بسب قطع العلاقات مع النظام المصري من قبل دول الصمود والتصدي، ومنها اليمن الديمقراطية التي قدمنا منها، وذلك بعد توقيع رئيسها أنور السادات معاهدة “كمب ديفيد”.. وبعد ساعة انتظار في جوف الطائرة، جاءت الطائرة الأخرى التي ستنقلنا إلى مطار “كييف” في أوكرانيا، ثم إلى موسكو.. فأنتقلنا إليها..

***
يتبع..
بعض من تفاصيل حياتي

رابط المنشور هنا

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: