من أرشيف الذاكرة: عن يناير 2011 توطئة..   Leave a comment

عن يناير 2011
توطئة..
• الكتابة عن هكذا مرحلة تبدو حساسة ومحذورة، وتدوينها يشبه بمن يعبر على حبل، بين جبال شاهقة، تتخللها مهاوي سحيقة، ومحاذير كثيرة، ولاسيما في ظل أوضاع هذه الحرب التي نشهد رحاها، وخارطة سياسية شديدة التعقيد، ومحيط من المؤامرات التي تستهدف الوطن ومستقبله، وأطراف محلية لازالت كل منها تريد أن تتملكك أو تسحقك، أو على الأقل وفي أفضل الأحوال، تخيفك وتنال منك ومما تكتبه؛ لأن مصالحها تتعارض معك، ومع ما تريد أن تخرجه للناس من حقائق، وهي حريصة كل الحرص أن لا يرى الناس فيها، زيفها وزورها وكذبها وتلفيقاتها، وذلك في إطار استهدافها البغيض، للحقيقة والتاريخ والمستقبل، ولاسيما أن تلك الأطراف لازالت تمتلك الكثير من مؤثرات السلطة والسطوة والدعم والنفوذ والممكنات، ليس فقط ما تسفهك فيه، وتلوث طهر ما تكتبه، بل والقدرة على أن تنكبك أو تقتلك، حيلة أو غيلة أو مجاهرة..

• وأزعم أنني هنا فقط أحاول وبهذه “المسودة” أن أجمع بعض الأشتات، وأبدأ مشوار الألف ميل بخطوة، متوطنا العزيمة ما أمكن من الموضوعية، والانحياز للتاريخ والحقيقة ما استطعت، وكاشفا ما كان يجوس في نفسي، ويتأجج من تمرد في أعماقي، وما يدور ويعتلج في دواخلي من صراع، وما يعترى مسيرتنا من إخفاق ومحبطات، وما رافق هذه المسيرة من انحراف عما كنّا ننشده من حلم الدولة المدنية الحديثة والديمقراطية، وعمّا كنّا نحمل من أحلام كبار، وسقف توقعات باتت في نتيجتها صادمة بالنسبة لنا، وهي ترتطم بالواقع الصلب والصعب في آن، وتتهشم أمام عيوننا على نحو يدمي العيون ويكسر القلوب..

• وسيتخلل ما أكتبه الإجابة عن كيف تم الإيقاع بنا نحن الحالمين، وكيف تمت سرقة أحلامنا وتطلعاتنا، وكيف أستمرينا أوفياء لما نحلم ونعتقد دون نكوص أو ارتداد أو استسلام، بل والوقوف في وجه كل الظروف الساحقة، والعقبات الغاضبة، والأقدار الصادمة، خلال تلك المراحل والمنعطفات والتعرجات التي كانت علينا قاسية ومكلفة، وباهظة الثمن علينا وعلى الوطن.. 
……………………………………

15 يناير 2011

• في يوم انتصار الثورة التونسية في 14 يناير، وجه عدد من الناشطين، أذكر منهم بلقيس اللهبي، دعوة للتجمع في 15 يناير أمام السفارة التونسية لمباركة انتصار ثورة تونس، وقد بادر وشارك فيها عدد من طلاب جامعة صنعاء، وحضر فيها زميلي د. عيدروس النقيب عضو مجلس النواب.. وقد تعرض ذلك التجمع المتواضع للقمع..

• أذكر أنني شاهدت الخبر من أحدى القنوات الفضائية، على الأرجح من قناة الجزيرة، تخلله لمحة قمع وإرغام من قبل السلطات.. كان مشهد إيقاعه مؤثرا على وجداني، وربما حملتني تلك اللمحة أو اللحظة على الندم أنني لم أكن حاضرا فيها، وتطلعت إلى تكرار المحاولة في اليوم الذي يليه، وهو 16 يناير 2011.

• يوم 15 يناير عصرا، كنت قد ألتقيت بعدد من طلاب جامعة صنعاء في مقيل بالمنزل الذي أقيم فيه، وعقدنا العزم على أن نثور، وتم صياغة بيان أظنه كان باسم طلاب جامعة صنعاء، أو باسم الثورة الشبابية دون أن نقرنها باسم الشعبية، والأهم أن أسمينا ما نفعله بـ “ثورة”.. وبدأ الطلاب بإعداد ما يلزم لليوم الذي يليه، وتم استخدام الفيس بوك، ورسائل الموبايل، في الدعوة والحشد.. كما صدر أيضا بيان لقطاع طلاب الاشتراكي في 15 يناير اسماه “بيان الثورة”.

• توكل كرمان قالت أنها فوجئت باتصال من بعض طلاب جامعة صنعاء صباح يوم 15 يناير، طلبوا منها الحضور معهم أمام السفارة التونسية، مع بعض نشطاء حقوق الإنسان، وبالفعل حضرت معهم، وبعد ما حدث من اعتداء عاتبت الطلاب على عدم التنسيق والحشد الجيد، وطلبت التنسيق جيداً لليوم التالي، من أجل الإعداد الجيد لهذه المناسبة..

• ويقول الشاذلي البريهي في شهادته: تجمع عدد من الطلاب امام كلية الاعلام، وخرج فخر العزب وطبع شعارات على ورق A4، وكان عددهم 11 فرد، منهم رائد الفضل، وفخر العزب، ومحمد المقبلي، ورداد السلامي، ومحمد الجرادي، وشاجع هصام، والبقية لا اعرفهم بالاسم، وحينها تم التواصل مع حمدي البكاري، الذي خرج لتغطية مسيرتهم المتواضعة.

• وأضاف: في عصر 15 يناير، تواصل بنا القاضي احمد سيف حاشد والتقينا في بيته، وحينها اخبرنا القاضي حاشد بانه تواصل مع توكل كرمان ونسق معها، واتفقنا نخرج الى السفارة التونسية صبيحة 16 يناير2011 م.

• ويضيف الشاذلي البريهي في شهادته عن يوم 15 يناير 2011: تجمعنا نحن الطلاب امام بوابة جامعة صنعاء الجديدة، وتحركت مسيرتنا الى السفارة التونسية، وعدنا من السفارة بعد الظهر برفقة ميزر الجنيد، واخذنا الى مطعم العزعزي للعصيد، ثم تحركنا مع ميزر، وفخر العزب، وبسام الحداد، وشهاب محرم، واخرين الى منزل القاضي احمد سيف حاشد، واتفقنا على إعداد واصدار بيان، وتم اصدار البيان..

• وفي شهادة عصام شبيط ورد أنه في مساء 14 يناير كنا نسكن جميعاً عند الرفيق بسام الحداد، ووصل ميزر الجنيد، وقال سقط زين العابدين، وسيسقط علي صالح، وكان حاضرا حينها بسام الحداد، وعيسى البراق، وابراهيم الازرقي، وكلهم من القطاع الطلابي للحزب الاشتراكي، وصيغ بيان باسم القطاع الطلابي للحزب الاشتراكي، وبعدها تم نشره في مواقع الفيسبوك، وتم نشره بعد يومين في صحيفة “النداء”، وتم توزيع البيان بتاريخ 15 يناير 2011م في جامعة صنعاء من قبل ماجد السامعي وعبدالرؤوف الشرعبي، ومعمر المخلافي، ولم اتذكر البقية، وقمت انا في توزيعه في احياء شارع هائل.

• وأضاف: بعد ظهر 15 يناير ارسلت توكل كرمان في “الفيس” الى الرفيق بسام، وقالت فيه، “اعجبني البيان حقكم، ممكن نتعاون”.. حدثني بذلك بسام الحداد في 15 يناير، بعدها أوصلت بالسيارة في نفس اليوم بسام الحداد، وميزر الجنيد، الى مقر “صحفيات بلا قيود”، ثم تم التواصل مع النائب احمد سيف حاشد، وقررنا الخروج اليومي، واتذكر من الشباب ميزر الجنيد، وعيسى البراق، وابراهيم الازرقي، وبسام الحداد، وشوقي الجندي، ومحفوظ القاسمي، ومحمد العزب، وشهاب الشرعبي، وشاذلي البريهي، ومحمد المقبلي، وهشام المسوري، وعبدالرؤوف الشرعبي، وعمر القاضي، ومعمر المخلافي، وفارس القدسي، وصامد السامعي، ومروان عبد الخبير، وسميح الوجيه، وعارف الصبري، ومحمد قائد الصبري، وماجد السامعي، وقاسم الجعشني ومهيوب الجعشني، وآخرين لا تحضرني الآن اسماؤهم..

• وأصدر القطاع الطلابي للحزب الاشتراكي في 15 يناير 2011 بيانا أسماه بيان الثورة جاء فيه:
يتابع الشارع اليمني ومعه احرار العالم اليوم الثورة السلمية التونسية للإطاحة بالنظام الدكتاتوري المتسلط في تونس..
يا شباب اليمن الاحرار اننا امام مشهد يستدعي منا التحرك العاجل للإطاحة بالنظام القبلي المتسلط على رقابنا منذ ثلاثة وثلاثون عام، ويتطلب ذلك منا التمسك بخيار النضال السلمي الديمقراطي للانتصار لإرادتنا، وتحمل تبعات هذا الخيار الاجدى للتخلص من الطغيان، إن ارادة الشعوب لا تقهر، وان تاريخ شعبنا في التصدّي للاستبداد والطغيان تاريخ حي وناصع ومثال للاقتداء. 
نحنا شباب اليمن نحي بإكبار واجلال رمز البطولة والثورة التونسية شهيد الحرية والديمقراطية العربية البطل محمد البوعزيزي، وعلى الشباب العربي ان يستلهم الثورة من النموذج التونسي الذي قدم نموذجاً حياً للعالم في الانتصار لحقه في الحرية وكرامة العيش..

إن مواكب التغيير قادمة لا محالة، وعلى خيول الافك والاستبداد ان ترحل قبل ان ترفسها احذية القادمين التواقين للحرية، وعلى كافة الشباب اليمني الحر بكافة أطيافه ومؤسساته ونقابته الاطلاع بدورة التاريخ والانطلاق نحو استرداد الحق المحاصر من قبل فراعنة الحكم الذين يحاولون وأد ما تبقى من الثورة والجمهورية.
اننا نطالب اليوم من زعماء التسلط والاستبداد ان يستجيبوا لنداء العقل وقوانين المنطق، وان يسلّموا سلطة الشعب للشعب، وأن يرحلوا قبل ان يرحّلوا، قبل فوات الاوان، وبهذا الصدد نحذر النظام من استخدام العنف في وجه الثورة السلمية، وإراقة دما الابرياء والمنافحين عن الحق.
صادر عن القطاع الطلابي للحزب الاشتراكي اليمني
15/1/2011
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نحن الحالمون الذين لا يمكن ترويضهم أبدا
أحمد سيف حاشد 
(1)
نحن الحالمون الذين دأبنا و لا زلنا إلى اليوم ندأب و نحاول تجاوز قبح و بشاعة الزمان و المكان .. نحن الذين نثور أو نحاول أن نثور أو نرفض القبول بقبح هذا الواقع بكل مسمياته، و سلطاته المفروضة بالمخادعة و الاحتيال، أو بالقمع و السطوة و الغلبة..

(2)
نحن الحالمون الذين رفضنا و لا زلنا نرفض هذا الواقع المفروض علينا، بكل عناوينه و مسمياته، و مخاتلات و انتهازيات نخبه السياسية المقامرة، و الغارقة في التفريط، و الخيانة، و السقوط بكل مسمياته، و منها تلك التي ارتضت أن تكون مساحيق تجميل لتخفي القبح و الدمامة عن وجوه ساستنا المتوحشين، و تبرير بشاعات هذا الواقع الموغل في القبح و الوحشية..

(3)
نحن الحالمون الرافضون للظلم و القهر و الاستعباد و الوصاية و الاحتلال بكل أشكاله و تنكراته و كنايته، و أسمائه الخفية و المعلنة .. الحالمون هم أولئك الذين لا يتعفنون مهما طالت الأيام بأعمارهم، و أثقلتهم الحياة بأحمالها و نكباتها .. لا يكلّون و لا يملّون النضال و الرفض حتى الرمق الأخير، و آخر نزع نحو الرحيل..

(4)
نحن الحالمون الذين ربما نُخدع قليلا من الوقت بسبب تسامحنا و نقاء سرائرنا، و ربما لأننا وثقنا بمن لا يستحقوا ثقتنا .. لكننا لا نلبث أن نستفيق، ثم نرفض و نقاوم و نثور على المتسلطين، بما فيهم أولئك الذين كانوا منّا، ثم تحولوا و صاروا نخاسة أو متعيشون، أو الذين كانوا يدّعون إنهم جزء منّا، ثم ذهبوا يبحثون عن السلطة، و العطايا، و الثمن الملوث، مقابل ما أدّعوه يوما من رفض و مقاومة و ثورة..

(5)
الحالمون هم الكدودون الأشقياء المعذبون في هذه الأرض، الذين عاشوا حياة كانت على أصحابها مكلفة و باهظة .. هم الأرواح القصية، و النفوس الغنية بأخلاقها و مبادئها، و التي ترحل عن هذه الحياة و هي عصامية و زاهدة .. عزيزة و عفيفة .. الباحثة دوما عن راحة الروح، و رضى الضمير..

(6)
نحن الحالمون العاشقون لفضاءات الحرية التي ليس لها متسع، و الكرامة التي لا تقبل الانحناء .. الحالمون هم من يملكون أرواح قلقة لا تهدأ و لا تستكين، طالما ظل في هذه الأرض فساد يعيث، و سلطة تعبث، و سطوة تبطش، و ظلم يعيش على هذه الأرض..

(7)
الحالمون هم العصيّون على التدجين و الاحتواء و الإرضاء .. ليسوا هم من أولئك الذين قال عنهم المثل “لا يعجبهم العجب” بل هم العجب ذاته .. هم التفرد و الاستثناء الباحث عن المستحيل، في واقع يزدحم بالظلم و البشاعة و التعاسة.
.
(8)
الحالمون الذين نزعم الانتماء إليهم هم أولئك الذي قال في وصفهم الروائي البرازيلي “باولو كويلا” “لا يمكن ترويضهم أبدأ”..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من أرشيف الذاكرة
يناير 2011 .. البداية من الجامعة
أحمد سيف حاشد
(1)
• خرجت مع رفقائي في 16 يناير 2011 حالمون بالتغيير .. ليس بالتغيير على عواهنه، بل بالتغيير الذي نريد .. لم يكن هذا هو خروجي الأول، بل حياتي كلها كانت سلسلة طويلة من التمرد، و المقاومة، و الخروج على ما هو واقع و سائد و مفروض.. في البيت، و في المدرسة، و في الجامعة، و في العمل، و في كل منعطفات حياتي، و لازلت كذلك إلى اليوم.

(2)
• أشعر أحيانا أن حياتي تعبت مني، و لكنني أظل ممعنا في إثقالها بالمزيد .. أتعبت معي أسرتي، و أتعبت أيضا أخريين ممن يحبونني من الأقرباء و الرفاق و الأصدقاء المقربين .. و لكنه قدري، و ربما هي أقدارهم أيضا..

• أضطر أحيانا للتوقف لأستعيد أنفاسي، أو لأتبين المكان الذي أقف عليه، و أتأمل و أحدج ببصري فيما يحيطني أو يحيط بي .. ربما أتراجع أو أراجع فيه بعض مواقفي .. و ربما أضطر أحيانا مرغما لتخفيف سرعتي، و التمهل، أو أجد نفسي بحاجة لأن أستريح قليلا من الوقت، استراحة محارب، ثم ما ألبث أن أنهض و أوصل السير من جديد على العهد و الوعد الذي قطعت يوما على نفسي..

(3)
• أحيانا أعترك مع نفسي، و أحيانا أشعر بسيل من الإحباط يجتاحني .. و أحيانا أخرى أشعر بانكسار و خذلان ساحق، و في أحايين أخرى يوجه لي الواقع صفعات قوية و صادمة، و لكن مجرد ما أنام و أستيقظ تكون تلك المشاعر السلبية قد غادرتني، أو على الأقل جلّها قد غادر بعيدا عني دون عودة، و البقية أتعايش معها و تتلاشى و تزول مع مرور الأيام..

• يتجدد التعب كل يوم و يعقبه النوم الذي يخفف عني بعض من وطأة ذلك التعب .. التعب و النسيان يتجالدان، و تستمر الحياة بكل ما فيها من تناقض و صراع، بل يتبدّى لي أن ذلك الصراع، و تلك التناقضات نفسها إنما هي الحياة ذاتها التي نعيشها أو هي قوانينها التي لابد منها..

(4)
• المرة الوحيدة التي اعتركت فيها مع نومي أربعة أيام متوالية، بلغت حد القطيعة معه، شعرت بشحنات الكهرباء تكاد تفجر رأسي، عصبيتي كانت مجنونة، و تصرفاتي كانت حمقى إلى حد بعيد .. يومها فقط أحسست بمعنى و خطورة التعذيب، بالحرمان من النوم..

• أرغمتني تلك القطيعة مع نومي على زيارة صديقي الدكتور عبدالرحمن سلام، و هي المرة الوحيدة في حياتي التي أزور فيها طبيب أخصائي أمراض نفسية و عصبية، و قد أعاد لي النوم من اليوم الأول، إثر هذه الزيارة..

(5)
• ممارسة السياسية في بلاد مثل اليمن مكلف جدا، لاسيما إن كان هذا الذي يمارسها حالم، و أحلامه تتصادم مع واقعه، في ظل غياب واسع للوعي، و مال سياسي متدفق، و فساد مهول، و عوز و فقر عارم في المجتمع..

• و زائد على هذا، وجود نخب هشة، و مثقف سهل الاستقطاب، بل و التماهي مع من يدفع أي كان .. مثقف مستعد أن يبيع من أول عرض، أو يفعل أي شيء، طالما هذا الشيء يعيد عليه بمردود ما، كان ماليا أو وظيفيا أو مزايا أخرى..

• و في مجملها تلك المزايا والعطايا و الرشاوي، تهين المثقف و تستبيح ضميره و كينونته، و تحوله إلى منافق دجال، ولاعق أحذية، و تسقط الدور الطليعي الذي ينبغي أن يضطلع به، و تحوله إلى خائن للقضايا التي كان يفترض أن ينهض بها، أو يدافع عنها، و عن الشعب الذي يفترض أن يكون طليعيا له .. و الأكثر أنه يعمد بمثابرة إلى تزييف وعي الشعب، و يتوطأ مع مرتكبي الجرائم، و البشاعات، بحق شعبه، إلى الحد الذي تجعله شريك فاعل فيها..

(6)
• كنت أحمل أثقال المظالم على كاهلي، وأذهب بها من الحكومة إلى البرلمان .. كانت تلك المظالم ليست مظالم تخصني لوحدي، بل تخص كثير من الناس ممن أتبني قضاياهم، أفرادا و جماعات و فئات و مجتمع .. كانت تلك المظالم ثقيلة وصارخة، لا لبس فيها و لا عليها غبار .. و كانت تثقلني أكثر تعنت و كبر و غرور أجهزة السلطة التنفيذية، و رجالها المتغطرسون، و من خارجها أولئك المدعمين بالنفوذ و السلطة و الجاه..

(7)
• كنت ألوذ من الحكومة إلى البرلمان، و أشكوها إليه، لعله يفعل شيء، و لكن كان تعاطي البرلمان معها هو للتنفيس أو التخدير المؤقت، و أنتهي منه في الواقع ليس فقط إلى لا شيء، بل إلى ما يشبه السقوط و الارتطام بالقاع من علو شاهق، أو الاصطدام الشديد بحائط خارساني صلد..

• كانت تنتهي تلك المظالم إلى مزيد من الخيبة والقهر و الشعور بالإرغام .. كنت أخرج من كل قضية في البرلمان مهشما و موجوعا و محطّما، و في المقابل كان هناك ظالمون يحتفون بانتصارهم .. منتشيون و مختالون كالطاؤوس .. كنت أكابد القهر و الكمد و الخيبة الصادمة عقب كل معركة أخوضها في البرلمان
..
(8)
• ثم أحمل أثقال المظالم مرة أخرى من البرلمان إلى القضاء، و لكن أنتهي إلى خيبة أشد .. و لطالما تمنيت أن يكون القضاء الذي انتميت له يوما، مرجعية للجميع، و لكن لم يحدث هذا .. كان القضاء دوما كرباجا بيد السلطة، تستخدمه في المقام الأول ضد معارضيها، و من لا يروق لها..

• خرجت من كل هذا بخلاصة تقول: إن من يحكم هذه البلاد هي عصابة في المقام الأول، و هو نفس شعوري اليوم حيال سلطات الأمر الواقع كلها في اليمن .. ستكتشفون لاحقا إنها كانت مجرد عصابات، بل أكثر من ذلك..

• في يناير 2011 عندما لاحظت وجود بوادر حراك في جامعة صنعاء، قلت هنا يجب أن تكون وجهتي، و ملاذي، و من هنا يجب أن أنطلق..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من أرشيف الذاكرة
ما قبل فبراير 2011
أحمد سيف حاشد 
• لطالما انتقدنا و احتجينا و اعتصمنا، و مارسنا كثير من المعارضة، في إطار الهامش المتاح، و حتى في حدود هذا الهامش المتاح، تعرضنا للقمع و الانتهاك لحقوقنا و لكثير من ممارسة التضييق و المضايقات .. و رغم محدودية النتائج، و ربما انعدامها في أغلب الأحوال، و هو انعدام في جزء منه كان يدعو لليأس و الإحباط، إلا أنها في مجملها كانت مهمة في صنع تراكم كان له شأنه و نتائجه سلبا و إيجابا في العام 2011..

• كان لما حدث في تونس وقعه على النفوس .. كان إيقاعه و شجوه في وجداننا يحث على فعل شيء مثله في اليمن .. كانت مشاعر جارفة تجتاحنا .. و كانت الصورة التي أمامنا أن شعب تونس ثار سلميا على الفساد و الظلم و الانتهاكات، و أن حاكم فاسد و مستبد محمي بأجهزة قمع متعددة، أستطاع شعب تونس سلميا أن ينتصر عليها مجتمعة، و على نحو غير مسبوق في المنطقة العربية..

• كان انتصار شعب تونس في 14 يناير 2011 قد أعطانا أمل كبير بإمكانية تحويل ما كان يبدو بحكم المستحيل إلى واقع ممكن التحقيق، و أن التغيير السلمي للواقع التي فرضته الأنظمة بالقمع متأتيا إذا ما توفرت الإرادة، و أن هذا الواقع المفروض، ليس قضاء و قدر ينبغي الاستسلام له..

• و كان لما ردده ثوار تونس أثناء ثورتهم لإسقاط نظام ابن علي “إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر .. و لابد لليل ان ينجلي و لابد للقيد ان ينكسر” وقعه على وجداننا و على إرادتنا أيضا، و زاد هذا الشعور مع انتصار شعب تونس سلميا على نظام حكم “ابن علي” القمعي.

• وجدت نفسي مع الآخرين في 16 يناير 2011 و ما بعدها أهتف بها، و هي بالمناسبة مطلع قصيدة للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، و كانت تلك القصيدة جزء من المنهج الدراسي المقرر في الابتدائية، وكنت قد حفظتها و تغنيت بها في تلك المرحلة الباكرة من حياتي.

• و كان لقصة احراق المواطن التونسي المكافح و البسيط “بو عزيزي” و التي ألهبت و ألهمت ثورة تونس، أثرها الوجداني على نفسي، لاسيما أنها استجرت ذكريات كثير من قضايا و معاناة البساطين و الباعة المتجولين، الذين كان يتم قمعهم و الاعتداء بوحشية على ممتلكاتهم في صنعاء من قبل السلطات، و إحراق محلاتهم و بسطاتهم في سيلة عدن .. و قد تبنيت أنا و صحيفتي “المستقلة” كثير من قضاياهم، و انحزت إليهم، و كتبت عنهم..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع ..

الصورة لبعض طلاب الجامعة الذين خرجوا في 15 يناير 2011

للاشتراك في قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام انقر هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

<span>%d</span> مدونون معجبون بهذه: